
في مشهد التعليم الشرعي خلال السنوات الأخيرة، برزت مبادرات ومشاريع كثيرة انطلقت بحماس كبير ووعود صادقة، وجذبت جمهورًا متعطشًا للتعليم الشرعي. ورغم جودة البدايات، إلا أن مسار هذه المشاريع لا يستمر بالوتيرة نفسها؛ إذ ما تلبث أن تصطدم بتحديات متراكمة تعوق توسعها، أو تُربك خططها، وتُضعف أثرها الحقيقي.
تبدأ المشكلات غالبًا صغيرة ومحتملة، ثم تتجمع بمرور الوقت لتتحول إلى حلقات خانقة تمسّ كل جانب من جوانب المشروع: من وضوح الرؤية إلى التنظيم، ومن قياس أثر البرامج إلى الحفاظ على استدامة مالية وتشغيلية، وصولًا إلى تحدي الهوية المؤسسية والاتصال مع الجمهور.
في هذا المقال نحاول فهم جذور هذه التحديات وآثارها، لنضع أيادينا على أبرز العقبات التي تتكرر في كثير من التجارب، حتى يصبح تجاوزها ممكنًا، من خلال بعض الاستراتيجيات العملية والواقعية القابلة للتطبيق بإذن الله.
أبرز العقبات الشائعة التي تهدد توسُّع الأكاديميات الشرعية
محتويات المقالة
1) تعدد القنوات التعليمية
كثير من الأكاديميات تعمل على منظومة متناثرة من الأدوات:
- Zoom أو Telegram للمحاضرات
- WhatsApp أو Telegram للإعلانات
- Google Forms للتسجيل
- Drive للمواد، وهكذا..
هذا التعدد في القنوات – وإن كان ذو تكلفة مادية قليلة – يجعل العملية التعليمية صعبة المتابعة؛ الطالب يتنقل بين منصات مختلفة، والمشرفون يقضون وقتًا طويلًا في الربط بين هذه الأجزاء. ومع تزايد البرامج والدورات والمحاضرات والدروس ومجالس الإقراء، وتعدد المستويات والفئات، تصبح الصورة أكثر تعقيدًا، ويضيع جزءٌ معتبر من الجهد في ترتيب ما كان ينبغي أن يكون منسجمًا منذ البداية.
الحل يبدأ من تجميع القنوات في منصة واحدة، تُوحّد التجربة، وتختصر المسافات، وتمكن المبادرات الشرعية النمو، بخفة ورشاقة، وهوية موحدة.
2) غياب التحول الرقمي
لا تزال بعض الأكاديميات تُدار بعمليات يدوية بالكامل: تسجيل عبر نماذج متفرقة، تأكيد يدوي للمدفوعات، إرسال الروابط كل أسبوع، تحديث الجداول، ومتابعة الملفات على شكل قوائم فردية.
هذه الطريقة قد تعمل بشكل جيد حين تكون الأعداد صغيرة، لكنها قد لا تصمد أمام النمو والتوسع، لأنها تبطئ الحركة، وتزيد من أخطاء المتابعة، وتجعل المشرفين مشغولين بما لا يضيف قيمة حقيقية للطالب أو للبرنامج.
على الناحية الآخرى، يساهم تبنّي نظام رقمي واحد ينظّم التسجيل، ويُنشئ الدفعات، ويدير البثوث، ويربط كل ذلك بسير عمل آلي، هو أحد الفروق الفاصلة بين مشروعٍ تعليمي شرعي قادر على التوسع، وآخر (قد) تبقى جهوده متفرقة مهما صدقت النوايا.
3) صعوبة قياس الأثر
تُعدّ القدرة على قياس أثر البرامج أحد أهم التحديات التي تواجه المشاريع التعليمية الشرعية. فالكثير من المبادرات تعتمد على انطباعات الجمهور أو أعداد المشاركات بوصفها مؤشرًا للنجاح، بينما يظل التأثير الحقيقي —المتمثل في تغيّر السلوك، أو ترسخ المعرفة، أو الانتقال إلى مراحل أعلى من التعلم— غير مُقاس وغير مُدار. غياب أدوات التقييم، وعدم وجود معايير واضحة لقياس التقدم، يؤديان إلى ضبابية تجعل التطوير صعبًا والقرارات أقل دقة.
ومن دون قياس حقيقي لمؤشرات التقدم مثل: الحضور، الإكمال، التفاعل، تسليم الواجبات، آخر تسجيل للدخول، وغير ذلك، يصبح اتخاذ القرار نوعًا من التخمين.
ولا يستطيع القائمون على الأكاديميات الشرعية – بدونها – معرفة:
أي البرامج حققت أثرًا واضحًا؟ وما الذي ينبغي تطويره أو إيقافه؟
أين يتراجع الطلاب؟ وما هي معدلات التسرب؟
غياب المؤشرات يجعل التطوير بطيئًا، ويحول دون بناء رؤية ناضجة لمسار الأكاديمية.
وجود لوحة تقارير واضحة تُظهر حركة الطلاب وسلوكهم وتفاعلهم، هو خطوة أساسية لفهم الأثر وإدارته بدلًا من العمل دون مؤشرات.
4) ضعف الاستدامة
الاعتماد الكامل على التبرعات أو الدورات المجانية قد يكون مناسبًا في البدايات، لكنه لا يضمن استمرارًا طويل المدى. المشاريع التعليمية – وخاصة الشرعية – تحتاج إلى موارد ثابتة؛ لدفع تكاليف تشغيل المنصة، وتطوير المحتوى، وتقديم دعم حقيقي للطلاب.
غياب نموذج مالي واضح يجعل المبادرة رهينة الظروف، ويحول دون التوسع في برامج جديدة، أو تحسين الخدمات القائمة.
الاستدامة لا تتعارض مع الرسالة؛ بل تمنحها قدرة على المضيّ بثبات.
وهي ليست مسألة تمويل فقط، بل منظومة متكاملة تشمل التخطيط، وإدارة الموارد، وتحصيل المدفوعات، وإيجاد آليات تحفظ استمرار المشروع دون إرهاق القائمين عليه.
5) ضعف الهوية المؤسسية والاتصال
قد يمتلك المشروع/الأكاديمية برامج مميزة وجهدًا علميًا معتبرًا، لكن بلا هوية واضحة، ولا نقصد بالهوية هنا (الهوية العلمية)، والتي تشمل الاتجاه والطابع العلمي وأسلوب الطرح والتناول للمحتوى…إلخ، وإنما نقصد به (الهوية المؤسسية)…
لا موقع متكامل،
ولا منصة تستوعب جميع الأنشطة،
ولا اتجاه بصري يعرّف بالمبادرة،
ولا لغة اتصال توحّد رسائلها.
الهوية ليست ترفًا جماليًا؛ وليست شعارًا ولا ألوانًا بقدر ما هي رسالة واضحة، وصوت ثابت، وتجربة يشعر بها المتعلم في كل تفاعل. وكلما كانت الهوية واضحة ومتسقة، ازداد وضوح الأكاديمية للطلاب، وازدادت ثقتهم بها، وسهل على الفريق تقديم خدمات متقنة تحت مظلة موحدة.
وضعف الهوية يؤدي إلى ضياع ملامح المشروع بين عشرات المبادرات الأخرى، ويقلل من ثقة الجمهور، ويصعّب جذب المواهب أو الشركاء. كما أن الاتصال المتقطع أو غير الاحترافي يخلق فجوة بين المشروع وجمهوره، ويحد من انتشاره وقدرته على التأثير.
خاتمة
في نهاية المطاف، ليست العقبات التي تواجه الأكاديميات الشرعية دليلًا على ضعفها، بقدر ما هي إشارات تستدعي إعادة البناء والتطوير. فالمشاريع التعليمية التي تُراجع مسارها، وتُعيد ترتيب أدواتها، وتُحكم هويتها، وتبني نموذجًا قادرًا على الاستمرار، هي المشاريع التي تترك أثرًا ممتدًا، وتتسع دوائر نفعها عامًا بعد عام بتوفيق الله.
ومع وضوح الرؤية، وتكامل الأدوات، واعتماد بنية رقمية تُسهّل العمل ولا تُثقله، يصبح الطريق نحو تعليم شرعي أكثر تنظيمًا وأعمق أثرًا طريقًا ممهدًا بإذن الله، مهما تنوّعت التحديات أو تبدلت صورها.
